أقســام الموقــع
       ثقــــــــافة وفكــــــــر
       قضـــايـا سياسيـــــة
       اقتصــــاد وتنميـــــة
       عقـــائد وأخــــــــلاق
       الأســــرة والمجتمع
       الأقليات الإسـلامية
       نحــن والآخـــــــــــر
       أعـــــلام الوســـطية
       فعالــــيات المركـــــز
       أكـــــاديـميــــــــات
       المكتبة الإلكتـرونيـة
       العروض والمراجعات
       منتــــدى الباحثيــــــن
       خدمات وفعاليـــــــــات
       التدريب الإلكترونــــي
       منتــــدى الوسطيــــــة
       بــث مبـــاشـــــــــــــــر

دور المقاصد في التشريعات المعاصرة

أ.د. محمد سليم العوا**


أ.د. محمد سليم العوا

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

وأصلي وأسلم على النبي وآله وصحبه، ومن تبعه بإحسان ودعا بدعوته على بصيرة، إلى يوم الدين، أما بعد،،

تمهيد

فإن إنشاء مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية بمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن، ذلك العمل، الذي وفق -بفضل الله تعالى- إليه معالي الأخ الكريم الشيخ أحمد زكي يماني، حقق أمنية طالما راودت نفوس كثيرين من العلماء وطلاب العلم: أن يحظى موضوع المقاصد بعناية علمية مؤسسية يصرف القائمون عليها همهم إليه، ويشجعون البحث فيه، ويمهِّدون للتعويل عليه علما وعملا، بحيث يخرج من دائرة الدرس النظري البحت إلى دائرة التطبيق المتجدد في كل منحى من مناحي الحياة يكون للمقاصد في تجديد النظرة الإسلامية إليه دور أو أثر.

وكتب الذين أسسوا هذا المركز في الدلالة على ضرورته أن "دراسة مقاصد الشريعة الإسلامية ضرورية لفهم الأحكام النصية من القرآن والسنة الصحيحة، ولفهم الاجتهادات الفقهية المستمرة التي بنيت -في غايتها النهائية- على تحقيق المصالح للعباد ودفع المفاسد عنهم. والاجتهاد الذي يجب على علماء كل عصر أن يقوموا به يعتمد -بين ما يعـتمد عـليه- على بصرٍ واعٍ بالمقاصد، وإدراك لترتيبها، وتنزيل كل حكم يجري فيه الاجتهاد منزلته من تحقيق المقاصد الكلية للشريعة أو المقاصد الجزئية للأحكام، أو بعده عن تحقيقها. وبناء على هذا التنزيل يكون صواب الاجتهاد أو خطؤه"[1].

وهذا النظر الصحيح للدور المأمول لعلم مقاصد الشريعة الإسلامية، في تحريك الاجتهاد وتطويره، يرتبط ارتباطا وثيقا بالهدف الكلي الذي ابتعثَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأورده القرآن الكريم في سياق جميل مؤثر، سياق دعوة موسى عليه السلام: {... أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنا هدنا إليك؛ قال عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضعُ عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم؛ فالذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (الأعراف: 155- 157).

جوهر الدعوة الإسلامية

فليست دعوة الإسلام في جوهرها إلا أمرا بمعروف، ونهيا عن منكر، وإباحة للطيبات، وتحريما للخبائث، وتخفيفا عن الخلق في الأمر والنهي، وإزالة لأغلال الجاهلية القديمة التي استعبدتهم لغير الله من الأوثان والأهواء والشهوات والمطامع. ومقاومة لآصار الانحرافات الحديثة التي تستعبد الناس للطواغيت الذين يملكون السلطان والجاه؛ ولعدوهم في الدين والوطنية الذي سبقهم -في أثناء هزيمتهم العسكرية والسياسية- إلى آفاق رحبة من التقدم العلمي والسياسي والعسكري يسيطر بسببها اليوم على دولهم ويزيد الشقة بين تقدمه وتخلفها.

والاجتهاد الإسلامي -الذي يستحق هذا الوصف- يتوجه شطر هذه الغايات العظمى للإسلام ليحققها ويبيح ما يؤدي إليها، ويجافي وجهه عن عكسها وضدها ونقيضها فلا يأذن فيه ولا يسكت عليه. ولم يعد يكفي أن يكون هذا الاجتهاد فرديا، مع ضرورته؛ ولا مؤسسيا، على ندرته؛ ولكنه أصبح لازما أن يوجه نحو تصويب التشريعات والنظم التي تصدر في دول الإسلام بعدما أصبحت الشريعة الإسلامية مصدر هذه التشريعات أو أحد مصادرها.

مواقف من المقاصد

ومنذ أخذت مظاهر الصحوة الإسلامية الحاضرة تبدو في المجال الثقافي بالدعوة إلى تحكيم الإسلام في التشريعات المطبقة في بلاد المسلمين، وبوجه خاص منذ أخذت بعض النظم القائمة في هذه البلاد تستجيب لتلك الدعوة فتعدل دساتيرها بتضمينها نصوصا تفيد أن الشريعة الإسلامية، أو مبادئها، أو مبادئها العامة، هي المصدر الرئيسي للتشريع، أو مصدره الرئيسي، باختلاف التعبيرات، منذئذٍ تعالت -ولا عجب!- أصوات تنادي باستعمال "المقاصد"، وبالعودة إلى "روح الشريعة"، وبتحقيق "المصالح" دون الوقوف عند "النصوص". وهي ترمي في حقيقة الأمر إلى تفريغ الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من محتواها، وإلى ترك نصوص القرآن والسنة صامتة لا تعمل في حياة الناس ولا تصنع فكرهم ولا تؤثر على نظرتهم إلى الحياة[2]. وهؤلاء هم الذين يسميهم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي (المعطلة الجدد) الذين يزعمون أن الدين جوهر لا شكل، وحقيقة لا صورة فيسرفون في تأول آيات الكتاب على غير وجهها، ويستمسكون بالمتشابهات ويعرضون عن المحكمات، ويدعون التجديد وهم في حقيقة الأمر دعاة للتغريب[3]. ويقارن الدكتور القرضاوي بين هؤلاء وبين من يسميهم: (الظاهرية الجدد) الذين يقفون عند ظواهر النصوص ويفهمونها فهما حرفيا بمعزل عن مقاصد الشرع وعلل الأحكام وحكمها. وهم قد ورثوا عن الظاهرية القدامى الحرفية والجمود، وإن لم يرثوا عنهم سعة العلم ودقة النظر لا سيما في الحديث والأثر[4].

وفي مقابلة هاتين المدرستين يضع القرضاوي مدرسة ثالثة هي مدرسة (الوسطية) التي لا تغفل النصوص الجزئية من كتاب الله تعالى ومن صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفقهها مرتبطة بمقاصد الشريعة الكلية: فترد الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات، والمتغيرات إلى الثوابت والمتشابهات إلى المحكمات؛ وهي تعتصم في فقهها بالنصوص القطعية ثبوتا ودلالة لأن الاستمساك بها استمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهي تقف عند ما أجمعت عليه الأمة إجماعا يقينيا بحيث أصبح بمثل "سبيل المؤمنين" الذي لا يجوز الانحراف به أو الصد عنه أو اتباع سواه[5].

دور المدرسة الوسطية وتيارات الصحوة الإسلامية

وهذه المدرسة الثالثة، مدرسة الوسطية، هي التي تتبنى ترشيد الصحوة الإسلامية، وتذود في أوساط شبابها ودعاتها عن قيم الإسلام الثابتة في الكتاب الكريم والسنة النبوية، وتشغل وقت علمائها ومفكريها بالعمل في البنية الأساسية، التي لا بد من توافرها، لصنع الدعاة والمعلمين والفقهاء والمفكرين الذين تقاعست أكثر مؤسسات العلم الشرعي عن أداء دورها في صنعهم اكتفاء بدورها في قول ما يرضي السلطان -وإن أسخط الرحمن- أو وقوفا عند تفصيلات العبادات والواجبات والمحرمات الفردية، مع غفلة تامة عن الواجبات الجماعية التي تحيا بها الأمة، ويصبح لها ما كان من شأن في هداية البشرية وحمل النور الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم إليها. وهي لم تستطع أن تفعل ذلك إلا وهي آمنة سياسيا وعسكريا، حرة في إعمال إرادتها داخليا، حرية استطاع الفقهاء الأفذاذ أن يقتنصوها لأنفسهم باستقلالهم عن الدول والحكومات، وانفرادهم بالاجتهاد الفقهي الذي مَثَّلَ -على طول التاريخ الإسلامي- القانون الذي كان يقيد الحاكمين وولاة الأمور دون أن يكون لهم أي دور في صنعه أو في اختيار من يصنعونه. فهو "لم يكن من صنع مجلس تشريعي يعينه الحاكم، ولم يكن رئيس الدولة الإسلامية يملك التعديل أو التحوير في أي رأي فقهي، ولا كان يملك -من باب أولى- إلغاء رأيٍ لفقيه أو لمذهب من مذاهب الفقه. ولا شك أن الفقه الإسلامي وهو المرآة الحقيقية لفكر الأمة، والتعبير الصادق عن ضميرها كان طول عصور الخلافة الإسلامية هو المعيار الذي توزن به تصرفات سلطات الدولة وتصرفات الأفراد القائمين على أمر هذه السلطات"، ومثَّل الاحترام الاجتماعي والسياسي للفقهاء: "كفة الميزان الثانية التي تم بها حفظ التوازن بين السلطة الموروثة وبين حقوق الأمة وواجبات الحاكم"[6] وهو التوازن المفقود في حياتنا المعاصرة بين الذين يرثون السلطان، أو الذين يغتصبونه، وبين الأمة وحقوقها سواء حقوقها الفردية وحقوقها الجماعية. واستعادة هذا التوازن هو الدور الذي تقوم به المدرسة الوسطية في الفقه والفكر والتربية والدعوة، وهي تكسب في كل يوم -بحمد الله- أرضا جديدة في أوساط الشباب المسلم بمن فيهم أولئك الذين نُشِّئوا في قلب معاقل الغلو العلماني أو الجمود المقلِّد في الفقه والفكر.

وتيارات الصحوة الإسلامية، التي تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، والتي نجحت في إدراج نصوص في دساتير بلادها تقضي باعتبار الشريعة الإسلامية -أو مبادئها- مصدرا للتشريع؛ مكلفة بأن تنتقل خطوة أخرى إلى الأمام بالعمل على "معالجة الانحراف العصري، الذي مكن بعض سلاطين هذا الزمان من تعطيل سيادة الشريعة بإصدار قوانين وضعية يصنعونها على هواهم، رغم مخالفتها لمبادئ الإسلام.... [فأغرقوا البلاد] بطوفان من القوانين سيئة السمعة، مشبوهة الأهداف، معطلة لحريات الأفراد والشعوب وحقوقهم الإنسانية"[7].

ويزداد هذا التكليف تأكيدا ووجوبا بملاحظة النجاح السياسي الذي حققته التيارات السياسية الإسلامية في بلدان عديدة (تركيا ـ لبنان ـ باكستان ـ مصر ـ الأردن ـ فلسطين) عن طريق خوض انتخابات برلمانية حرة أو نصف حرة، وفي بلدان أخرى عن طريق الثورة الشعبية الشاملة (إيران) أو عن طريق الانقلابات العسكرية التي استقر بعدها الحكم لإسلاميين، وإن عارضهم إسلاميون آخرون، (السودان)[8].

إن هؤلاء الذين يحكمون في هذه البلاد الإسلامية، باسم الإسلام، أو الذين يشاركون في المجالس النيابية/التشريعية منتخبين تحت لواء الدعوة إليه يقع عليهم، قبل غيرهم، واجب السعي لتنفيذ ما نجحت في تحقيقه الحركة الإسلامية الشعبية (العفوية) من تقرير مصدرية الشريعة الإسلامية في الدساتير والوثائق التأسيسية.

ولم يعد ممكنا اليوم، في ظل تعقد الدول والنظم والعلاقات وتركيبها، أن يُكتفى بإصدار قانون يحيل القاضي إلى مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي ويقيده بالحكم به[9]. بل إن الدول التي صنعت ذلك -كالمملكة العربية السعودية- لم تزل تصدر القوانين -تسميها الأنظمة- قانونا تلو الآخر لسد الفراغ الذي يجده القضاة، ويجده المتعاملون في التجارة والصناعة والبنوك، وغيرها، ومع الدولة وأجهزتها، في المذهب الذي أحالت الدولة قضاءَها إليه[10].

فلا مناص إذن من أن تتجه همة هؤلاء الحاكمين الإسلاميين، أو أولئك المشاركين في عضوية المجالس النيابية/التشريعية إلى العمل على إصدار التشريعات التي تتخذ من الشريعة مصدرا لها بتطبيق أحكام النصوص التفصيلية حيثما وجدت، -وما أقلها- وبالاجتهاد الذي يواجه بثقة حاجات الناس وحاجات الزمان على أساس من أصول الشريعة وقواعدها ومع مراعاة أسرارها وحكمها وغاياتها التي سماها فقهاؤنا "مقاصد الشريعة".

المقاصد الضرورية في الاجتهاد المعاصر

وقديما قال الإمام الشاطبي "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها"[11].

وقال: "إن الاجتهاد... إن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص لها، أو مسلَّمة من صاحب الاجتهاد في النصوص فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة"[12].

وإذا كان العلماء يتحدثون عن المقاصد في سياق بحث كيفية اجتهاد المجتهد الذي كان يتبدى في الفتوى الفردية، أو الحكم في قضية بين خصمين، أو في مناظرة في مسألة علمية بين فقيهين، أو في تأليف يتناول بالتأصيل والتحليل المسائل المدونة في مذهب من مذاهب الفقهاء... وكان هذا البحث يدور -عادة- حول تحقيق مقصد فردي من المقاصد التي اعتبرها الفقهاء، تبعا للجويني إمام الحرمين وتلميذه الغزالي حجة الإسلام، الضروريات الخمس= حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال[13]... فإن الذي نعنيه بالحديث عن المقاصد ودورها في التشريع هو البحث عن الدور الذي يمارسه المشرع العصري عند إصداره للقوانين (أو النظم) وما يجب عليه في هذا الشأن من اعتبار للمقاصد في صورتها العامة الجماعية دون الوقوف عند الاهتمام بها في صورتها الخاصة الفردية التي ظلت سائدة في دراسات المقاصد إلى أن ظهر كتاب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله[14].

ولعله من المناسب هنا أن نختار تعريفا للمقاصد يقرب الغاية من هذا البحث إلى القارئ. فالمقاصد هي "الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها، وهي المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أم عن طريق دفع المضار"[15] وهي عند العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوعٍ خاص من أحكام الشريعة. فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا معانٍ من الحِكَمِ ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها"[16].

وهذه المقاصد العامة، بشروطها التي استنبطها الإمام محمد الطاهر بن عاشور، هي التي عليها المدار في العمل التشريعي المعاصر -أعني التي يجب أن يكون عليها مدار هذا العمل- وهي التي عليها المعوّل في الرقابة القضائية على مدى اتفاق التشريع مع مبادئ الشريعة الإسلامية المعتبرة، بحكم الدستور، المصدر الرئيسي للتشريع (المادة الثانية من الدستور المصري الصادر سنة 1971). فالمقصد العام من التشريع -كما يراه الشيخ ابن عاشور- هو "حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه وصلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه"[17].

ومراعاة المقاصد في التشريع العام واجبة وجوبها في الفتوى أو القضاء أو المناظرة أو التعليم في شأن خاص أو مسألة بعينها. ولذلك قال الإمام العز بن عبد السلام: "قاعدة: كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل[18]".

وقال الشاطبي: "إن عمل المكلف إذا خالف قصد الشارع من التشريع يعتبر عمله باطلا فلا يقبل ولا يثاب عليه[19]".

وبمقتضى هذه القاعدة -بطلان ما خالف مقاصد التشريع- جرى القضاء الدستوري في مصر، منذ تعرضت المحاكم لدستورية القوانين، بحيث لا يحكم بدستورية تشريع خالف مقاصد الشريعة أو المصالح التي تراعيها.

معالم مقاصدية يجب مراعاتها في التشريع

والعناية بالمقاصد العامة للشريعة، في الشأن التشريعي العام، تقتضي ملاحظة أمور:

أولها، منهج التشريع، وأعني به ما أشار إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من أن للشريعة في شأن التشريع مقامين، وإن شئت قلت: طريقين.

الطريق الأول، تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها، وهو الطريق الذي يشير إليه قول الله تعالى: {الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] وقوله تعالى في وصف القرآن الكريم: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة:16].

ومن هذا السبيل ما غيره رسول الله وحرَّمه مما كان أهل الجاهلية يفعلونه تعبدا أو تعودا، وهو كثير معروف في كتب الحديث والسيرة والفقه.

الطريق الثاني، أو المقام الثاني، هو تقرير أحوال صالحة، تعارفها الناس قبل تشريع الإسلام، وعبر عنها القرآن الكريم في وصف الرسول في آيات الأعراف التي مرت، أول هذه الدراسة، بأنه {يأمرهم بالمعروف}[20] [الأعراف:157]. وقوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك"[21] فالمعروف هنا مقصود به العرف. ومن أمثلة هذا الطريق -طريق الإقرار على العرف الصالح- إقرار الإسلام نكاح الناس المعروف وإبطاله ما عداه من أنكحة الجاهلية[22].

وثانيها، أي ثاني الأمور التي تجب ملاحظتها، ضرورة اعتبار المآل عند التشريع، والمقصود بذلك هو أن يعتد واضع التشريع بما يؤدي إليه وضعه من تحقيق المصالح أو المفاسد. فلا يقر إلا التشريع الذي يحقق المصلحة ويمنع وقوع المفسدة، والعبرة في ذلك بما يغلب على الظن، لأن طريق الحكم -في الشريعة كلها- هو بغلبة الظن إذ التكليف باليقين محال أو قريب من المحال[23].

ولمبدأ اعتبار المآلات في التشريع شواهد عديدة من القرآن والسنة وفقه الصحابة ومذاهب الأئمة[24].

فالقرآن الكريم ينهى عن سب آلهة المشركين لئلا يؤول الأمر إلى سب المشركين لرب العالمين {ولا تسبُّوا الذين يدعون من دون الله فيسبُّوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108] وهذا النهي جاء نتيجة موازنة بين مصلحة نصرة الحق وإهانة الباطل، من ناحية، وبين مفسدة سب الله تبارك وتعالى، من ناحية أخرى، فقدم التشريع القرآني رفع المفسدة العظيمة على تحقيق المصلحة الأقل منها شأنا.

وأمر الله العبد الصالح بخرق السفينة ليمنع استيلاء الملك الظالم عليها: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} (الكهف: 79) فلاحظ التشريع القرآني أن الضرر اليسير الحالَّ يحتمل لمنع الضرر العظيم في المآل. (وتَنبَّهْ إلى قول العبد الصالح: "وما فعلته عن أمري" وهو يبيِّن لموسى سبب أفعاله التي سأله عنها).

ونهى القرآن الكريم عن فضول السؤال في زمن الوحي منعا للحرج عن السائل وغيره {يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياءَ إن تُبدَ لكم تسْؤكم وإن تسألوا عنها حين يُنَّزلُ القرآن تُبْدَ لكم، عفا الله عنها والله غفور حليم} (المائدة: 101). فالنهي عن السؤال سببه ألا يؤول الأمر بالسائل إلى إساءته بإيقاعه في الحرج، أو يؤول إلى التحريج على الأمة كلها كما في الحديث المتفق عليه عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين فحرِّم عليهم، من أجل مسألته"[25].

وفي السنة الصحيحة شواهد كثيرة لاعتبار المآلات. فقد قال عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن أبيّ عندما قال: "والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلَّ"، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"[26] فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عقاب عبد الله بن أبيَّ لئلا يقول الناس إنه يقتل أصحابه.

وتحمل بذلك المفسدة الأصغر لدرء المفسدة الأكبر. والمفسدة التي تحملها الرسول صلى الله عليه وسلم ومجتمع المسلمين معه كانت حالَّة، والمفسدة التي درأها كانت آجلة متوقعة.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب والديْ الغير كيلا يؤدي ذلك إلى سب والديه هو، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبُّ الرجلُ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمَّه فيسبُّ أمَّه"[27] والأمثلة على ذلك كثيرة منها حرمان القاتل من الميراث، وترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لئلا يتلاعب الناس ببيت الله، وغيرها مما يعرفه علماء الحديث والسيرة.

ومن فقه الصحابة جمعهم القرآن في مصحف واحد بعد أن استحرّ القتل بالقراء يوم اليمامة مراعاة لما يؤول الأمر إليه لو فقد الحفاظ والقرآن غير مدون. وقتلُ الجماعة بالواحد لئلا يتجرأ ذوو النفوس المستهترة على التمالئ على القتل إذا انتفت العقوبة؛ إلى غير ذلك مما هو مشهور[28].

وثالث الأمور التي تجب مراعاتها عند التشريع، هي مسألة سكوت الشارع، سبحانه وتعالى، عن بيان أحكام بعض الأمور التي تقتضي تنظيما لها في حياة الجماعة.

من ذلك أن القرآن الكريم أوجب الشورى بقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران: 159) وبقوله تعالى مدحا للمؤمنين {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى: 38). ولكن القرآن لم يخبرنا بما إذا كانت الشورى مُلزِمة أم مُعلِمة، ولا بكيفية اختيار أهلها، ولا بالموضوعات التي يجب أن تعرض على أهل الشورى، ولا بما إذا كان يجوز تأقيت مدة ولايتهم أم لا يجوز، إلى غير ذلك من عشرات التفصيلات التي سكت الشارع عنها ولم يبين لنا -لا بقرآن ولا بسنة صحيحة- كيف نصنع فيها[29].

وأسس الرسول صلى الله عليه وسلم دولته في المدينة، ونظم الحياة السياسية فيها بوثيقة المدينة، أو دستورها، ثم لحق بالرفيق الأعلى دون أن يعين خلفا له في رئاسة الدولة[30]، حتى اختير الأربعة الراشدون بأربع طرق مختلفة، قبل أن تصبح الخلافة ملكا عضوضا، وقبل أن يخترع الفقهاء -حقنا لدماء المسلمين ودفعا لغائلة الفساد- فكرة ولاية المتغلب التي عبروا عنها بقولهم "من اشتدت وطأته بالتغلب وجبت طاعته"[31]!! ولم يبين القرآن، ولا بينت السنة، كيف يجب أن يكون اختيار الحاكم، وكم تكون مدة ولايته، وهل هي على التأبيد لزوما أم يجوز التأقيت فيها، وهل يجوز تقييد اختصاصاته وتحديدها -بدستور أو قـانون أو عـقـد مـع الشعب- أم أن لكل حاكم ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم للخلفاء بعده من اختصاصات وسلطات وصلاحيات؟.

واستُقْرئت من القرآن الكريم قيم العدل، والمساواة، وحرية التفكير والتعبير، وجواز مساءلة الحاكمين، ثم لم نجد في النصوص الشرعية كيفية إعمال هذه القيم، ولا من المكلف بوضعها موضع التنفيذ.

وأمر القرآن الكريم الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكدت ذلك أحاديث صحيحة، ولكن تفاصيل الأمر والنهي، وما يجوزان فيه وما يمتنعان، تركت كلها بلا نص يبين حدودها وضوابطها[32].

وولَّى النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده، وسائر من حكم في أي بلد مسلم، قضاة للفصل في الخصومات والحكم في المنازعات، لكن القرآن والسنة خاليان من بيان ما يجب على القاضي وما يجوز له، ومن بيان مدى استقلاله عمن ولاه أو تبعيته له، ومن تحديد ما يقبله من البينات وما لا يقبله... إلخ ما نعرفه اليوم في قوانين تنظيم القضاء واستقلاله وقوانين المرافعات المدنية والإجراءات الجنائية.

وأستطيع أن أعدد إلى ما لا نهاية، لكن في ذلك كفاية.

صحيح أن الفقهاء اجتهدوا في كثير من هذه المسائل اجتهادات وَصَفَتْ ما كان يجري عليه العمل في عصور الاجتهاد، أو صنعت قواعد تعبر عن مفاهيم للقيم الإسلامية في مختلف المجالات وتحقق ما رأوه مقصدا للشريعة في كل باب من تلك الأبواب. لكن تلك الاجتهادات ليست بالضرورة صالحة لكل زمان ومكان. فتلك منزلة لا يبلغها إلا القرآن والسنة الصحيحة. أما ما دونهما فهو بين أجيال الأمة وعصورها على الشيوع يجب أن يجتهد كل جيل فيه بما يحقق المقصد الذي قال عنه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "أهم مقصد للشريعة من التشريع انتظام أمر الأمة، وجلب الصالح إليها، ودفع الضر والفساد عنها. وقد استشعر الفقهاء في الدين كلهم هذا المعنى في خصوص صلاح الأفراد، ولم يتطرقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام. ولكنهم لا ينكر أحد منهم أنه إذا كان صلاح الأفراد وانتظام أمورهم مقصد الشريعة، فإن صلاح أحوال المجموع وانتظام أمر الجماعة أسمى وأعظم... فعلينا أن نتخيل الأمة الإسلامية في صورة الفرد الواحد من المسلمين فنعرض أحوالها على الأحكام التشريعية كما تُعرَضُ أحوال الفرد. فهنالك يتضح لنا سبيل واضحة من الإجراء التشريعي في أحوال الأمة"[33].

والأمر الرابع، الذي تجب مراعاته هو مدى احتياج الأمة -عامة- في الوقت الذي يصنع فيه تشريع ما إلى الأخذ بالعزيمة أو إلى الأخذ بالرخصة. فالعزيمة والرخصة وصفان يعتريان التشريع الإسلامي في جُلِّ مسائله، إن لم نقل في كل مسائله، وتؤثران في العمل المطلوب من المكلف في وقت قيام إحداها وحال الأمة بالنسبة إليهما كحال الأفراد سواء بسواء. يقول العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "وإن من أعظم ما لا ينبغي أن ينسى عند النظر في الأحوال العامة الإسلامية نحو التشريع هو باب الرخصة. فإن... مجموع الأمة قد تعتريه مشاق اجتماعية تجعله بحاجة إلى الرخصة"[34].

والأمر الخامس، الذي تجب مراعاته في التشريع، هو ما وصفه ابن عاشور، رحمه الله، بقوله في شأن الضرورات، إن هناك قسما مغفولا عنه "وهو الضرورة العامة المؤقتة. وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها، تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها، أو نحو ذلك... ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة، وأنها تقتضي تغييرا للأحكام الشرعية المقرَّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة"[35].

وهذا غير مسألة الرخصة، التي سلف الكلام عنها. فالرخصة تتعلق بحال المشقة التي قد تدوم زمنا طويلا لأسباب لا يمكن للفرد ولا للمجموع إزالتها، كالضعف السياسي، والتبعية الاقتصادية، والتخلف التربوي والخلقي، التي تعاني منها الأمة في عصرنا الحاضر. لكن الضرورة العامة المؤقتة شأن عارض يشرَّع له تشريع مؤقت يزول أثره بزوال حال الضرورة. وهذا منهج معروف في القوانين المعاصرة يسمونه باسم "تشريعات الضرورة" أو "التشريعات الوقتية". ولا مناص لمن يشرِّعون من مراعاة هذه الضرورات، ولا بُدَّ لهم من تأصيلها التأصيل الإسلامي الصحيح الذي يردها إلى مصدر تقبله الأمة لاستنباطه من فقهها ومقاصد شريعتها.

مقصد السكوت التشريعي

وعندي -والله تعالى أعلم- أن المقصد من سكوت الشارع عن التفاصيل في المواضع التي ذكرتها، وغيرها مما لم أذكره، هو أن أتمكن من أن تصوغ دقائقه وفقا لمقتضيات الزمان والمكان في كل زمان ومكان، ولذلك جاءت الشريعة -القرآن والسنة- بقيم سياسية ملزمة دون أن تأتي بنظام حكم محكم ودائم، لكي تقوم الأمة ببناء التفاصيل والجزئيات التي لا يمكن حصرها، في نظام الدولة، وفي اختصاصات السلطات فيها، وفي قيود مباشرة هذه الاختصاصات، محتكمة إلى تلك القيم التي يعتبر النزول على حكمها واجبا على الحاكمين وحقا للمحكومين[36]، ومثال ذلك يقال في سائر مواطن السكوت التشريعي المتعلقة بالحياة العامة للأمة، فلا تكاد مقاصد السكوت التشريعي[37] تخرج عن هذا السبب.

لكن الأمر يحتاج إلى دراسة تفصيلية -لا سيما في نطاق ما نعرفه اليوم بالقانون العام- لتوفيه هذه المسألة حقها من البحث، كما أن أثر السكوت في أحكام الأموال غير أثره في أحكام الدماء والأعراض والأبضاع. وأثره في شأن الأحكام الفردية غير أثره في شأن الأحكام العامة التي تمس مجموع الأمة في مصالحها السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية وغيرها.

أثر مراعاة الأمور السابقة

ومراعاة هذه الأمور الخمسة في التشريع، ومراعاة أحوال الضرورة العامة المؤقتة، والمشاق الاجتماعية العامة -ضمن أمور أخرى اتصالها بمقاصد الشريعة أو هي من اتصال هذه الأمور الخمسة- يؤدي إلى أن يصدر التشريع محققا المقصد الأسمى الذي وصفه ابن عاشور بأنه "حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه.. والشارع.. أراد صلاح أحوال الناس وشئونهم في الحياة الاجتماعية، فإن قوله تعالى {إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} (البقرة: 205) أنبأنا بأن الفساد المحذر منه هنالك هو إفساد موجودات في هذا العالم..."[38].

وإذا كان الذي قرره ابن عاشور، من أن مقصد الشريعة يدور على مقامين هما: التغيير للأحوال الفاسدة، والتقرير للأحوال الصالحة، صحيحا -وهذا عندي صحيح لا ريب فيه- فإننا نستطيع أن نقرر أن التشريع المعاصر عندما يستند إلى كليات الشريعة ومقاصدها -فيما ليس فيه نص جزئي خاص- لن يكون أداة هدم للحياة الاجتماعية، أو السياسية، أو الاقتصادية، أو لنظم العلاقات الدولية القائمة، ولكنه سيكون أداة تصويب وتصحيح لما يحتاج إلى ذلك، وسوف يتغيا تحقيق المصالح ودور المفاسد في كل قانون جديد تسنه المجالس النيابية/ التشريعية الملتزمة دستوريا بأحكام الشريعة الإسلامية أو مبادئها العامة: لأن في ذلك صلاح أحوال الناس وشئونهم، وعدم "إفساد موجودات هذا العالم".

وهذا هو الدور الذي يجب على الإسلاميين المشتغلين بالعمل السياسي، والمنخرطين في الأحزاب أو المجالس، النيابية أو المؤسسات التشريعية الأخرى أداؤه وإعلاؤه، فليس من الممكن -ولا هو مطلوب- أن يكون التطبيق الإسلامي مجرد نقل لأحكام فقهية مذهبية، أو فردية اجتهادية، قيلت ودونت منذ قرون إلى صورة النصوص التشريعية العصرية. إنما الواجب هو أن يجتهد علماء كل عصر في معرفة حكم الإسلام في قضاياه، كما اجتهد الذين من قبلهم وبغير هذا الاجتهاد التشريعي لا تبرأ الذمة ولا تؤدَّى الرسالة.

أثر المقاصد والمصالح في الرقابة القضائية على دستورية القوانين

وعلى نحو ما ذكرت، من ضرورة مراعاة المقاصد العامة والخاصة في التشريع الإسلامي، حاكمت المحكمة الدستورية العليا في مصر القوانين التي طعن أمامها في نصوصها -أو بعضها- بمخالفتها لنص المادة الثانية من الدستور التي تقرر أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي "المصدر الرئيسي للتشريع".

فقد قضت المحكمة الدستورية العليا بأن النصوص التشريعية الاجتهادية، التي تصدر بعد صدور المادة الثانية من الدستور، يلزم أن "تكون واقعة في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية معتمدة في استنباط الأحكام العملية على الأدلة الشرعية متوخية تحقيق مقاصد الشريعة"[39].

وقضت بأن الاجتهاد يكون سائغا في المسائل الخلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، مستخلصا عن طريق الأدلة الشرعية النقلية منها والعقلية، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة"[40].

وجرى قضاء المحكمة نفسها على أن الاجتهاد يجب أن يكون "دوما واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة كافلا صون المقاصد العامة لها"[41]، وعلى أن الاجتهاد يجب "أن يكون كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال. وأن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه تطويرا لقواعد عملية هو رفق بالعباد مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل". وفي الحكم نفسه قضت بأن "مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية.. تعتبر تشهيا وإنكارا لما علم من الدين بالضرورة"[42].

واستقر قضاؤها على أن "تنظيم شئون العباد.. بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله يستلهم حقيقة أن المصالح المعتبرة هي التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها ولا تنحصر تطبيقاتها"[43]. وعلى أن النص القانوني إذا استلهم مقاصد الشريعة الكلية ودار في فلك أصولها العامة فإن النعي عليه بمخالفة المادة الثانية من الدستور يكون حريا بالرفض[44].

واطرد قضاؤها على أن مبادئ الشريعة الإسلامية التي كفل الدستور النصوص التشريعية إليها لضمان توافقها معه- توجب درء الضرر عن مجموع الناس وأجازت لولي الأمر أن يتدخل لتنظيم حق الملكية تحقيقا لمصلحة الجماعة ووفاء باحتياجاتها[45]، وأن "سبيل الاجتهاد يبقى طليقا طالما التزم مقاصد الشريعة العليا"[46].

وهذا القضاء المستقر للمحكمة الدستورية العليا يبين أهمية المقاصد الشرعية ووجوب مراعاتها في التشريعات المعاصرة وهي أهمية لم تنس أحكام المحكمة الدستورية العليا التصريح بها، مع التصريح بقواعد دفع الضرر، وجلب المصالح، ووجوب دوران الاجتهاد التشريعي في فلك أصول الشريعة العامة واستلهامه مقاصدها الكلية.

وإذا كان بعض قضاء المحكمة الدستورية العليا قد ذكر المقاصد الضرورية الخمسة، وأضاف إليها العرض - أي سمعة الإنسان- على ما يذهب إليه رأي فقهي معتبر [47]، فإن ذلك لا يعني وقوفها في تحديد المقاصد عند الضرورات الخمس بل إن الأقرب على ما يبدو من أحكامها أن نقول: إنها تتجه إلى التوسيع من نطاق المقاصد الكلية، بإضافتها في جميع أحكامها إلى "أصول الشريعة العامة" أو إلى "المصالح المعتبرة" مما ينبئ عن توجه إلى إعلاء شأن المقاصد والمصالح والاعتداد بها في قبول الاجتهاد التشريعي وإقراره، والمعقول إنها بهذا التوجه ستمضي قدما في مثل الاتجاه الذي عبر عنه كثير من الفقهاء القدامى والمعاصرين القائلين بعدم انحصار المقاصد في الخمسة الضرورية[48].

ضرورة استمرار الاجتهاد في مجال كشف المقاصد

إن قضاء المحكمة الدستورية العليا يضيف إلى الضرورة العلمية لدرس المقاصد ورعايتها في التشريع، ضرورة عمليه متماثلة في وجوب مراعاة عدم تعريض التشريع الذي يخالف المقاصد الشرعية للحكم بعدم دستوريته، وقديما قيل "إن الله يزع بالسلطان من لا يزع بالقرآن".

والمشرع الذي يحرص على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وعلى مطابقة القوانين التي يصدرها للنصوص الدستورية، لا يستطيع أن يحقق ما يريد ما لم يؤازره ويتقدم عليه في الفكر والفقه بحث علمي مستمر لكشف مقاصد الشريعة العامة والخاصة، وبيان مصادرها من النصوص القرآنية والنبوية، والسير في الطريق الذي اكتشف معالمه الأفذاذ الذين سماهم الشاطبي "أنظار النظار" بدلا من الوقوف عند ما عرفونا عليه من معاملة وتقليدهم فيما لم يكونوا هم أنفسهم مقلدين فيه.

والأمل معقود على مثل مركز المقاصد، والأجيال الحاضرة والآتية من أساتذة الشريعة والباحثين في علومها، لا سيما في كليات الحقوق وكليات دار العلوم (الأم وبناتها) للمضي قدما في هذا الطريق، دون خوف من الخطأ الذي يؤجر صاحبه أجرا واحدا، فضلا من الله ومنة! وقديما قال الشاطبي -رحمه الله: "الاجتهاد المعتبر شرعا، وهو الصادر عن أهله.. يعرض فيه الخطأ.. وهو الذي قال فيه معاذ بن جبل: (إنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق)، و(إن على الحق نورا).. وأكثر ما يكون الخطأ عند الغفلة عن مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه.. وصاحبه معذور ومأجور"[49].

فلا يوقفن العلماء خوف الخطأ عن ولوج طريق الاجتهاد وليتنافسوا في طلب الأجرين أو الأجر، فذلك خير من الجمود والتقليد والقعود عن إنهاض الأمة واستنهاضها للعمل بشريعتها ونصرة دين نبيها (صلى الله عليه وسلم).

 

الهوامش:

1- مشروع مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية: القاهرة، 2005م (الورقة التي قدمت إلى الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للمركز، فأقرها في اجتماعه بالقاهرة يوم 14/12/2005م).

2- أحمد إدريس الطعان الحاج: المدخل المقاصدي للخطاب العلماني، مبحث من رسالة دكتوراة في كلية دار العلوم، 2003م نشر مستقلا في مجلة المسلم المعاصر، السنة 29 العدد 114، أكتوبر – ديسمبر 2004م ص 21.

3- يوسف القرضاوي، بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية، دراسة مقدمة لندوة مقاصد الشريعة عند المذاهب الإسلامية، مؤسسة الفرقان، لندن، مارس 2005م، ص 4.

4-   القرضاوي المرجع نفسه.

5-   المصدر نفسه ص 5.

6- محمد سليم العوا/ في النظام السياسي للدولة الإسلامية، دار الشروق بالقاهرة ط7 1989م، وقريبا من هذا المعنى: أستاذنا الدكتور توفيق الشاوي: فقه الشورى والاستشارة، دار الوفاء 1992م ص 21.

7-   توفيق الشاوي ص 14.

8- نحن نعترض من حيث المبدأ على الانقلابات العسكرية مهما كان سببها، وأيا ما كان الفكر الذي يحمله قادتها، ومع ذلك فإن الوضع في السودان الآن يقتضي تقوية النظام القائم فيه لئلا يفقد السودان كله بالتجزئة والاحتلال، وهما يبدوان وشيكين إلا أن يشاء الله شيئا آخر.

9- على الأقل في الدول التي مذاهب غالبية أهلها سنية، أما في الدول ذات الغالبية الشيعية، مثل إيران، فإن الأمر مختلف؛ ذلك أن عدم انقطاع الاجتهاد، واشتراط تقليد المجتهد الحي أبقى الفقيه الشيعي متحركا مع متغيرات الحياة، وهي مزية يفتقدها الفقه السني في مجمله، وفي غالب أحوال علمائه بسبب دعوى قفل باب الاجتهاد وتأثيرها على العلماء، بل والمجامع الفقهية، تأثيرا تمثل في التقليد على الإبداع والجمود على التجديد.

10-        الأمثلة على ذلك لا تحصى وبعضها يعالج أمورا لو وقف فيها عند الاجتهاد الحنبلي لكان أصاب، لكن جمود القضاء من جهة وعدم إلمام القائمين على أمور التنظيمات في الدولة بأصول المذهب وفروعه من جهة أخرى، أدى إلى استسهال إصدار تشريعات وضعية تقلد التشريعات القائمة في دول أخرى على رأسها مصر.

11-        الموفقات، ط الشيخ عبد الله دراز، ج4 ص 105 وللكتاب طبعة حديثة محققة على أصلين خطيين وعلى الطبعات السابقة، صنعها الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، القاهرة 1997م، وهي في ستة أجزاء.

12-        نفسه ص 162: وشرح الشيخ دراز عبارة (جملة وتفصيلا خاصة) بقوله: "أي في الباب الذي فيه الاجتهاد إن قلنا: إن الاجتهاد يتجزأ أو في سائر الأبواب إن قلنا إنه لا يتجزأ"؛ هامش رقم 2 في الصفحة نفسها.

13-        هذا ظاهر في كتب المقاصد كافة، لم يتحدث عن إضافة مقصد جديد إلى الخمسة أحد قبل العلامة محمد الطاهر بن عاشور في كتابه الجليل: مقاصد الشريعة عندما أضاف السماحة والمساواة والحرية وقوة الأمة، انظر ط. محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، عمان 2001. ص 268 وما بعدها وراجع طبعة أستاذنا العلامة الشيخ محمد الحبيب بن خوجة، وهي الجزء الثالث من سفره الضخم "محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة" والجزء الأول ترجمة وافية لعلها أوفى ما كتب عن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.

14-         صدرت الطبعة الأولى من كتاب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عام 1366هـ=1946م وكان فراغه من تأليفه في 8 من شهر جمادي الأولى سنة 1360 هـ كما هو ثابت في خاتمة طبعاته كافة.

15-                      صديقنا العلامة الدكتور يوسف حامد العالم (رحمه الله) المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.

16-        الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة، ط الشيخ محمد الحبيب بن خوجة ص 165، وهو يشترط في المقصد أربعة شروط: الثبوت والظهور والانضباط والاطراد ويفرق بين العامة منها والخاصة التي لا يجترئ الفقيه على أن يتجاوز مواقع ورودها ص 166.

17-        ابن عاشور السابق ص 194. وينسب إليه صديقنا الدكتور يوسف العالم (ص 84) أنه يرى أن المقصود بالمصالح الآجلة في كلام المقاصد هو عواقب الأمور في هذه الحياة الحاضرة.

18-                       العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصلحة الأنام، الكليات الأزهرية 1986.

19-                      الشاطبي: الموفقات ج2 ص 333 وما بعدها.

20-                      ابن عاشور، السابق ص 297 وما بعدها.

21-                      متفق عليه من حديث عروة عن عائشة (رضي الله عنها) البخاري 2211 ومسلم رقم 1714.

22-                      الحديث في صحيح البخاري عن عائشة (رضي الله عنها) 5127.

23-                      ابن نجيم: الأشياء والنظائر ط الحلبي 1968م ص 81.

24-                      راجع في هذا البحث وتفصيل أمثلته.

25-        صحيح البخاري رقم 7289 وصحيح مسلم رقم 2358، واللفظ في المتن لفظ لمسلم، وهو عند البخاري أخصر منه عند مسلم، وراجع تفسير بن كثير.

26-                      رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله، البخاري برقم 3518 و4905 ومسلم برقم 2584.

27-                       رواه البخاري برقم 5793 ومسلم برقم 90 ولفظه "من الكبائر شتم الرجل والديه".

28-        راجع في الأمثلة من السنة ومن فقه الصحابة والأئمة أصحاب المذهب المتبوعة، عبد الرحمن بن معمر السنوسي، المصدر السابق ص 142 وما بعدها.

29-                      راجع كتابنا: الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ط الثانية المكتب الإسلامي بيروت 1998م ص 48.

30-                      كتابنا: في النظام السياسي للدولة الإسلامية، ط السابعة دار الشروق 1989م ص 66 و78.

31-        العلامة الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي المالكي، حاشيته على الشرح الكبير للشيخ الدردير ج 4 ط الحلبي بالقاهرة (د. ت) ص 295. وهو يعلل ذلك بقوله "إذ المدار على درء المفاسد وارتكاب أخف الضررين".

32-                      محمد سليم العوا، المصدر السابق ص 146-227.

33-                      محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة، ط الميساوي، ص 405.

34-                      السابق.

35-                      مقاصد الشريعة، ط ابن خوجة، ص 358.

36-        كتابنا: النظام السياسي للدولة الإسلامية ص 146، ويذهب إلى عكس هذا الرأي صديقنا الجليل العلامة محمد مهدي شمس الدين -رحمة الله- وهو يذهب إلى ما يقول به جمهور الإمامية من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عين عليا (رضي الله عنه) بعده للخلافة بالنص الجلي، وليس هنا موضع مناقشة هذا الأمر على كل حال، راجع له: نظام الحكم والإدارة في الإسلام، ط4.

37-        عندي أن السكوت التشريعي غير ما يسميه الشاطبي (مرتبة العفو) الموافقات ج1، ص 161، وهو ليس في كل الأحوال دليلا على الإباحة.

38-                      محمد بن عاشور، مقاصد الشريعة، ط ابن خوجة، ص 194.

39-        حكمها بجلسة 15/5/1993 في القضية رقم 7 لسنة 8 ق مجموعة أحكامها ج 5 المجلد 2 ص 290، وبالجلسة نفسها صدر حكمها بذات المبدأ في القضية رقم 18 لسنة 10 ق الجريدة الرسمية، العدد رقم 23 تابع في 10/6/1993 وبجلسة 19/6/1993.

40-                      حكمها بجلسة 6/5/2000م في القضية رقم 53 لسنة 20ق مجموع أحكامها ج9 ص 576.

41-                      حكمها بجلسة 26/3/1994م في القضية رقم 29 لسنة 11ق مجموع أحكامها ج6 ص 231.

42-        حكمها بجلسة 18/5/1992م في القضية رقم 8 لسنة 17ق موسوعة المبادئ الدستورية مجلس الشعب ج6 ص 231.

43-                      حكمها بجلسة 2/1/1999م في القضية رقم 12 لسنة 19ق مجموع أحكامها ج9 ص 576.

44-                      حكمها بجلسة 3/7/1999م في القضية رقم 164 لسنة 19ق مجموع أحكامها ج9 ص 283.

45-                      حكمها بجلسة 69/6/2002م في القضية رقم 231 لسنة 20ق مجموع أحكامها ج10 ص 437.

46-                      حكمها بجلسة14/4/2002م في القضية رقم 203 لسنة 20ق مجموع أحكامها ج10 ص 308.

47-                      الشيخ يوسف القرضاوي، مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة 1990م، ص 60.

48-                      جمال الدين عطية، المصدر السابق، ص 91.

49-                      الموافقات ج 4 ص 167 بتصرف يسير واختصار.


*الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.                  المصدر: مجلة الرسالة


- عدد القراء : 1672